اعترافات عبدالرحمن ابو زهرة

حقيقة تجاهل المخرجين وتهميش ابو زهرة

 

رحيل “آخر ملوك المسرح”.. أسرار لم تُنشر عن حياة عبد الرحمن أبو زهرة

كتبت / سمر الحلو

رجل اليوم فارس الكلمة، وصاحب الحنجرة الذهبية التي هزت خشبات المسرح لسبعة عقود. رحل الفنان القدير عبد الرحمن أبو زهرة، تاركاً وراءه إرثاً فنياً ضخماً، لكن الحقيقة أن ما تركه من “خبايا إنسانية” وقصص لم تروَ بعد، هو الإرث الأهم الذي يكشف ملامح شخصية كانت أعقد وأعمق مما رأيناه على الشاشة.

“فوبيا” النسيان.. السر وراء دقة “المعلم سردينة”

الجميع يعرف عبقرية أداء أبو زهرة في دور “المعلم سردينة” في “لن أعيش في جلباب أبي”، لكن الخفي هو حالة “الرعب” التي كانت تلازمه من فقدان الذاكرة. كان أبو زهرة لا يكتفي بحفظ دوره، بل كان ينسخ الحوار كاملاً بخط يده في دفاتر خاصة، ويضع ملاحظات دقيقة على كل انفعال. كان يرى أن الممثل الذي “ينسى” هو ممثل “انتهى”، ولذلك كان يمارس تمارين ذهنية قاسية يومياً حتى في سنوات اعتزاله الجزئي، ليحافظ على اتقاد ذهنه.

2. صدمة “الاكتئاب الصامت”: عندما بكى خلف القناع

من الجوانب التي لم تُنشر بوضوح هي معركته الطويلة مع “الاكتئاب الموسمي”. كان أبو زهرة شديد الحساسية تجاه تغير أحوال الفن؛ شعر في سنواته الأخيرة بـ “غربة” حقيقية داخل الوسط الفني. كان يرى أن لغة “الاحترام” التي تربى عليها في المسرح القومي تآكلت. المدافعون عنه يعرفون أنه حين أطلق تصريحاته الشهيرة حول “التجاهل”، لم يكن يبحث عن عمل من أجل المال، بل كان يصرخ طلباً لـ “التقدير الإنساني”. هذه الحالة جعلته يعتكف لأشهر طويلة في مكتبته، باحثاً عن الونس في دواوين الشعر القديم.

“الندبة غير المرئية”: حكاية زوجته سلوى

الخبيئة الأكبر في حياة أبو زهرة هي ارتباطه الروحي “الأسطوري” بزوجته الراحلة سلوى المحلاوي. من اقتربوا منه يعرفون أن وفاتها في 2019 لم تكن مجرد فقدان لشريكة، بل كانت “انكساراً للعمود الفقري”. أبو زهرة أخفى عن الجميع أنه كان يتحدث إليها يومياً بعد رحيلها، وكان يرفض تغيير أي ترتيب في غرفتها. رحيله اليوم ليس مجرد حدث بيولوجي، بل هو في الحقيقة “استسلام” لقلب لم يعد يقوى على العيش في عالم لا توجد فيه “سلوى”.

الصوفي الثائر.. علاقة خاصة مع الله

بعيداً عن الأضواء، كان أبو زهرة “صوفياً” في محرابه الخاص. لم يكن يحب الحديث عن تدينه، لكنه كان يمتلك بصيرة نافذة وقراءات معمقة في الفقه والفلسفة الإسلامية. كان يرى الفن “رسالة ربانية”، ولذلك كان يرفض أدواراً بآلاف الجنيهات لمجرد أنها “تخدش الحياء العام” أو تقدم صورة مشوهة للإنسان المصري.

بروفات الصمت” مع يوسف شاهين

​رغم إن أبو زهرة فنان “صوت” من الطراز الأول، إلا إن المخرج يوسف شاهين كان ليه معاه حكاية تانية. شاهين كان بيطلب منه في الكواليس إنه يقعد “ساعة كاملة” من غير ما ينطق ولا كلمة، يبص بس للي قدامه ويعبّر بعينه.

أبو زهرة حكى لمقربين إن التدريب ده هو اللي خلاه يقدر يعمل نظرات “المعلم سردينة” اللي كانت بتوصل هيبة من غير كلام. دي كانت تسمى “خلوة الممثل”

مترجم الأحاسيس” في صالونه الثقافي

​أبو زهرة كان عنده “صالون” شبه سري في بيته، مش بس للفنانين، ده كان بيجمع فيه (مصححي لغة عربية، وفلاسفة، وشباب لسه بيبدأوا كان بيحب جداً يمسك قصائد “المتنبي” ويقعد يحللها كأنها “سيناريو سينمائي”. كان بيقول: “المتنبي مكنش شاعر، ده كان مخرج بيكتب بالكلام”. ده بيكشف لنا ليه كان أبو زهرة لما بيقول بيت شعر، بنحس إننا شايفين فيلم قدام عينينا

.
“السر في البدلة” (عقدة الأناقة)

أبو زهرة كان عنده قاعدة صارمة: “الممثل لازم يكون واجهة مشرفة لمهنته حتى وهو رايح يشتري عيش كان بيرفض تماماً يلبس “ترينينج” أو لبس كاجوال في الشارع. حتى في عز تعبه، كان لازم يلبس القميص المكوي والجاكيت. كان شايف إن ده جزء من احترام الجمهور اللي “اشترى تذكرة” عشان يشوفه، فمينفعش يشوفه “مبهدل” في الحقيقة

​”عدو التكنولوجيا” الذي أنقذه ابنه

أبو زهرة كان يرفض تماماً دخول “الموبايل” حياته لسنوات طويلة، وكان يرى أن “الرنة” تقطع حبل أفكاره الإنسانية
ابنه عازف البيانو الشهير أحمد أبو زهرة هو من أجبره على دخول عالم التكنولوجيا، ليس من أجل التواصل، ولكن لأن أبو زهرة كان يضيع في شوارع القاهرة “الجديدة” بعدما تغيرت معالمها التي كان يعرفها في الستينات. تحول الموبايل بالنسبة له من “عدو” إلى “بوصلة” لاستعادة ذكريات قديمة

.
​”لوحة لم تكتمل”: الممثل الرسام

قليلون جداً يعرفون أن عبد الرحمن أبو زهرة كان يمتلك موهبة “الرسم بالفحم في غرفته الخاصة

كان يمتلك كراسة رسم لا يرسم فيها مناظر طبيعية، بل يرسم “وجوه الشخصيات” التي سيؤديها قبل أن يمثلها!

رسم “المعلم سردينة” بملامحه الصارمة، ورسم “الحجاج بن يوسف الثقفي” بعيونه المتطايرة شرراً.

كان يرى أن الممثل يجب أن “يرى” الشخصية بعينه أولاً قبل أن يجسدها بروحه

​”المقالب الثقيلة” في كواليس المسرح القومي

​خلف الوقار الشديد واللغة الفصحى، كان أبو زهرة “ملك المقالب” في الكواليس، ولكنها مقالب ”

ثقافية كان يغير حوار زميله على المسرح فجأة بكلمات فصحى “معقدة جداً” ليختبر قدرة الزميل على الارتجال بالفصحى.

كان يفعل ذلك مع كبار النجوم، والهدف لم يكن السخرية، بل كان “استفزاز الموهبة” لضمان ألا يبرد الممثل على الخشبة

​ “حكاية المعطف” الذي لا يتغير

​لسنوات طويلة، كان يظهر ب “معطف “(بالطو) معين في معظم لقاءاته التلفزيونية الشتوية هذا المعطف لم يكن مجرد قطعة ملابس

بل كان هدية من صديق عمره الذي رحل مبكراً، وكان أبو زهرة يعتبره “تميمة حظ” ورابطاً مع زمن الوفاء.

كان يرفض استبداله بأرقى الماركات العالمية التي كانت تُعرض عليه في البرامج.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى