صناعة الجهل: سر ملايين المحتوى التافه
لماذا تدعم المنصات صناعة التسطيح؟
كتبت/سمر الحلو
”صناعة الجهل المنظم” لماذا تدفع المنصات ملايين الدولارات للمحتوى التافه؟
سيكولوجيا التسطيح وجني الأرباح المالية من غياب الوعي الجمعي:
هل سألتِ نفسك يوماً بكل صراحة:
لماذا يتصدر محتوى “التحديات التافهة” وفيديوهات الفضائح الأسرية واليوميات السطحية أعلى نسب المشاهدة والترند في مجتمعاتنا
بينما يموت المحتوى الثقافي والتوعوي الرصين في عتمة الظل؟
خلف هذا الأمر الخطير لا يقف “الذوق العشوائي للجمهور” وحده كما يُشاع في التبريرات التقليدية
بل تقف استراتيجية تمويلية وتسويقية مرعبة ومدروسة بعناية تُعرف في علم النفس الاجتماعي بـ “صناعة الجهل المنظم والموجه”.
المنصات الرقمية الكبرى تدرك جيداً أن المستخدم عندما يكون في حالة من “التخدير العقلي” والتسلية التافهة، يقضي ساعات أطول على التطبيق دون وعي بالوقت
ويكون عقله الباطن أكثر تقبلاً للإعلانات الاستهلاكية والشراء العاطفي السريع، مما يدر مليارات الدولارات من أرباح التمويل على هذه الشركات العملاقة.
كيف يتلاعب”السيو”بخياراتنا المجتمعية اليومية دون أن ندري؟
هذا التوجه التجاري الخبيث يعتمد بالكامل على خوارزميات معقدة مصممة خصيصاً لرفع “معدل البقاء والمشاهدة الطويلة عبر تقديم محتوى يثير الغرائز البدائية أو الفضول السطحي المفرط
وتهميش متعمد ومستمر للمحتوى الهادف الذي يتطلب مجهوداً عقلياً أو نقدياً من المتلقي.
صناع المحتوى الشباب وجدوا أنفسهم مجبرين على النزول لمستوى هذا الترند الهابط للحصول على التمويل والأرباح السريعة والاستمرار في الميدان الرقمي
مما خلق حلقة مفرغة تزيد من تسطيح الوعي الجمعي للمجتمع وتهدد هويته الثقافية.
إن فتح هذا الملف الشائك بشكل صحفي جريء وخارج عن الصندوق يكشف للمتابع كواليس اللعبة التمويلية
فالتفاهة المنتشرة ليست حالة عشوائية
بل هي “بيزنس منظم وممول” يهدف إلى تحويل المشاهد من مفكر ناقد إلى مستهلك صامت وتابع، وهو ما يمنح تقريرك قوة صدمة حقيقية تجعل القارئ يعيد حساباته الافتراضية فوراً.
المقاومة الثقافية وصناعة محتوى بديل يتحدى الخوارزميات:
أمام هذا الزحف التجاري للتفاهة الممنهجة، تبرز حاجة ملحة لنشوء “مقاومة رقمية واعية” تقودها منصات إعلامية ذكية تؤمن بالمسؤولية الاجتماعية.
التحدي الحقيقي لا يكمن في البكاء على أطلال الوعي المفقود
بل في فك شفرات السيو واستخدام نفس الأدوات التكنولوجية الجذابة لتقديم وجبات فكرية دسمة ومثيرة تشد المشاهد دون تزييف لعقله.
إن استعادة المشاهد العربي من مصيدة التخدير الرقمي تتطلب صياغة إعلامية جديدة تجمع بين متعة البصر وعمق الفكرة
لتظل الصحافة الحرة هي المنارة التي تحمي الأجيال من التجهيل المتعمد وتقودهم نحو شاطئ الوعي والحرية الفكرية الحقيقية في عالم رقمي لا يتوقف عن الخداع.



