“دولار الحج” يلتهم سلطة الغلابة فى مصر
المجنونة تهزم الجنيه ...كواليس أزمة الطماطم ؟
كتبت / سمر الحلو
كواليس ليلة سقوط “سلطة الغلابة”.. كيف التهم “دولار الحج” و”طماطم السلك” جيوب المصريين؟
تحولت السلعة الشعبية الأولى في مصر فجأة من مجرد “مجنونة” نتحمل تقلباتها، إلى ما يشبه الذهب عيار 24! كيلو يلامس حاجز الـ 50 والـ 70 جنيهاً في ذروة الصدمة، ليعلن رسمياً طرد الطماطم من طبق السلطة اليومي.
الأرقام الفلكية لم تكن وليدة الصدفة، بل جاءت نتيجة لـ “طبخة” كواليسها دارت خلف الأبواب المغلقة بين غرف المصدرين، والالتزامات الدولية، وحتى التغيرات المناخية. فما هي “الخفايا” الحقيقية وراء هذه القفزة المرعبة؟
“دولار الحج”… السر الذي خرج من غرف التصدير
السر الأكثر إثارة وعلامة الاستفهام الأكبر في هذه الأزمة كانت ترتبط بـ “التوقيت”. مصر التي تتربع في المرتبة الخامسة عالمياً في إنتاج الطماطم، وجدت نفسها أمام معضلة حقيقية.
تزامنت ذروة نقص المعروض محلياً مع التزامات وتعاقدات تصديرية ضخمة ومسبقة لشحن “أفخر” ما تجود به الأراضي المصرية إلى دول الخليج، وتحديداً المملكة العربية السعودية . لماذا موسم الحج؟ في هذا التوقيت الاستثنائي من العام، يرتفع الطلب الاستهلاكي في المملكة بشكل جنوني لتغطية لقمة عيش ملايين الحجاج والخدمات الغذائية الهائلة المرافقة للموسم.
المصدرون لم يكن أمامهم مفر من الوفاء بعقودهم لجلب “العملة الصعبة”، مما ترتب عليه سحب كميات ضخمة من السوق، لتتجه الطماطم إلى الموانئ بدلاً من أسواق الجملة كـ “سوق العبور”، ويشتعل الشارع بنقص المعروض.
“طماطم السلك” الفاخرة… حين تصبح التكلفة فلكية
إذا نزلتِ السوق في ذروة الأزمة، ستجد الطماطم الموجودة شديدة الصلابة ومظهرها “مثالي”، لكن سعرها سيصدمك. هذه ليست الطماطم الأرضية التي نعرفها، بل هي “طماطم السلك.
فخ الصوبات: مع اختفاء العروات الزراعية التقليدية (ما يسمى بفاصل العروات)، اعتمدت الأسواق بالكامل على الطماطم المزروعة داخل الصوب أو بدعامات سلكية متطورة
فاتورة الفلاح الصادمة: هذه النوعية تضمن إنتاجاً ممتازاً، لكن تكلفتها الرأسمالية على الفلاح مرعبة؛ من شبكات ري، وأسمدة مستوردة، وسولار، وعمالة يومية. الفلاح يبيعها من أرضه بسعر مرتفع ليغطي مصاريفه، ومع دخول تجار الجملة والتجزئة على الخط وهامش ربحهم، كانت النتيجة قنبلة سعرية تنفجر في وجه المستهلك النهائي
“الإجهاد الحراري” وسوسة المحصول… الطبيعة تضرب ضربتها
لم تكن المعركة اقتصادية بحتة، بل تدخلت الطبيعة لتزيد الطين بلة. هذا الموسم شهد هجوماً مناخياً عنيفاً
صدمة الطقس:
موجات الحرارة القياسية والتفاوت الحاد بين هجير النهار وبرودة الليل، أدت إلى ما يسمى زراعياً بـ “ضعف عقد الثمار”، وهو ما تسبب في تراجع إنتاجية الفدان بنسب وصلت لـ 25% في بعض محافظات الصعيد
ضربة الآفات: انتشرت “سوسة الطماطم” (التوتا أبسوليوتا) في مساحات غير هينة، لتلتهم أجزاءً من المحصول قبل نضجه، مما دفع بعض المزارعين للعزوف عن الزراعة خوفاً من خراب البيوت.
صراع “العملة الصعبة” وطبق السلطة… مَن يدفع الثمن؟
الأزمة كشفت عن وجه مشوه في إدارة الملف الزراعي؛ ففي الوقت الذي تتباهى فيه وزارة الزراعة وشعبة المصدرين بالأرقام القياسية للصادرات التي تضخ ملايين الدولارات لإنقاذ السيولة الأجنبية في خزينة الدولة، كان الشارع ونقابة الفلاحين يصرخون: “ما فائدة الدولار إذا كان يخرج مباشرة من جيب المواطن البسيط وقوته اليومي؟”. غياب التوازن والتنسيق بين التصدير والاستهلاك المحلي هو الخلل الذي دفع ثمنه طبق السلطة.
السيناريو القادم: متى تنكسر عين “المجنونة”؟
كل المؤشرات تؤكد أن هذه المأساة شرفت على الانتهاء. مع بدء تدفق إنتاج “العروة الصيفية الجديدة” ونزول بشائر المساحات المزروعة حديثاً (نحو 30 ألف فدان)، بدأت الأسواق تتنفس الصعداء، والأسعار بدأت رحلة الهبوط التدريجي لتستقر عند مستويات مقبولة (في حدود 20 جنيهاً).
لكن يبقى السؤال الذي يطرحه الشارع مع كل أزمة: هل ستتعلم الحكومة الدرس وتضبط ميزان التصدير.. أم أن “المجنونة” ستظل دائماً قادرة على هزيمة الجنيه؟



