صدمة رحيل “البرنس”والسر الذي رفضته عائلته
كواليس الأيام الأخيرة لـ محمد مرزبان تحت التنفس الاصطناعي
القاهرة / سمر الحلو
صدمة رحيل محمد مرزبان “البرنس” الذي خانه العشق خفايا وكواليس في حياة الراحل محمد مرزبان ورحلة الـ 40 عاماً فوق الدراجة النارية.
بين كواليس الفن الهادئة، والمنعطفات الحادة لطريق “مصر – الإسماعيلية” الصحراوي، أُسدل الستار صباح اليوم الأربعاء على حياة الفنان القدير محمد مرزبان عن عمر ناهز 64 عاماً؛
ليرحل بجسده تاركاً خلفه غصة في قلوب محبيه، وتساؤلات مريرة حول فنانٍ عاش أرستقراطياً على الشاشة، ومات مكافحاً باحثاً عن مكانة لم تمنحها له النجومية بكامل إنصافها.
ساعة الصفر.. كواليس الأيام الأخيرة تحت التنفس الاصطناعي
الحادث المأساوي لم يكن مجرد تصادم عابر؛ ففي مساء السبت الماضي، وتحديداً بالقرب من مفارق سرابيوم بمحافظة الإسماعيلية،
صدمت سيارة مسرعة ومجهولة دراجة الفنان البخارية التي كان يستقلها، وفر السائق هرباً قبل أن تنجح الأجهزة الأمنية في ضبطه لاحقاً
نُقل مرزبان في حالة حرجة للغاية إلى مستشفى أبو خليفة للطوارئ والجراحات الدقيقة.
خمس ساعات كاملة قضاها فريق طبي من كبار الاستشاريين داخل غرفة العمليات في محاولة مستميتة لوقف نزيف حاد في المخ، والسيطرة على تجمعات دموية بالرئتين وكسر في قاع الجمجمة والعمود الفقري،
فضلاً عن نزيف داخلي بالبطن والصدر. طوال خمسة أيام، رقد مرزبان في غيبوبة كاملة تحت أجهزة التنفس الاصطناعي، وفي الوقت الذي بح صوت زوجته فيه مطالبة بنقله إلى مستشفى متخصص بالقاهرة،
أصدر الأطباء قراراً حاسماً: “النقل يمثل خطورة داهمة على حياته”. لتصعد روحه إلى بارئها وتعلن الطواقم الطبية استسلامها أمام قضاء الله وقدره.
المسكوت عنه.. لغز العشق القاتل الذي رفضته العائلة
خلف ملامح “البرنس” ورجل الأعمال والوزير والمسؤول الأرستقراطي التي جسدها في عشرات الأعمال، كانت هناك خفايا شخصية لا يعرفها الكثيرون عن محمد مرزبان.
لعل أبرزها هو ذلك “العشق السري والقاتل” الذي رافقه لقرابة 40 عاماً كاملة، والمتمثل في شغفه اللامحدود بقيادة الدراجات النارية (الريس)
بدأت علاقة مرزبان بالدراجات النارية مطلع ثمانينيات القرن الماضي، وكان دائماً ما يصف ركوبها بأنه مصدر راحته النفسية الوحيد،
مشبهاً متعة قيادتها بـ “الجلوس أمام البحر”. المفارقة الدرامية المخفية، أن عائلة مرزبان وأسرته طالما عارضت وبشدة امتلاكه لهذه الدراجات
وحاربوا هوايته مراراً وتكراراً خوفاً عليه من غدر حوادث الطرق، إلا أنه تمسك بها واعتبرها جزءاً من حريته الشخصية، لتتحول الهواية التي منحتْه الراحة طوال أربعة عقود.. هي نفسها الأداة التي سحبت منه خيط حياته الأخير.
فنان «مظلوم».. موهبة أكلتها مساحات الأدوار القصيرة
إذا تحدثنا بالإنصاف الفني، فإن محمد مرزبان هو واحد من أبرز النماذج لـ “الفنان المظلوم” في الدراما والسينما المصرية؛
امتلك كاريزما طاغية، وحضوراً لافتاً، ومخارج ألفاظ منضبطة تؤهله ليكون نجماً أول للشر أو للأدوار المركبة، ومع ذلك تم حصاره لسنوات طويلة في خانة “الدور الثاني” وأحياناً “الثالث.
وقف مرزبان أمام كبار الشاشة؛ وتألق مع الإمبراطور أحمد زكي في رائعتيه السينمائيتين “ناصر 56” و”أيام السادات”، وقدم أداءً لافتاً مع نبيلة عبيد في “كشف المستور”،
ونادية الجندي في “الرغبة”، فضلاً عن مئات المشاهد الدرامية في مسلسلات حفرت في ذاكرة الجمهور مثل “أين قلبي” مع يسرا، و”اسم مؤقت”، و”ضد التيار”.
ومع كل هذا العطاء، لم يأخذ مرزبان حقه التشخيصي أو المادي الذي يتناسب مع حجم موهبته وثقافته، فظل يصارع من أجل الحضور، ولم يتوقف عن العمل حتى الرمق الآخر.
كواليس البيت “النصف ألماني” وحماته التي تعيش معه
من الأسرار الشخصية جداً في حياة محمد مرزبان، والتي كان حريصاً على إبعادها عن صخب الإعلام حفاظاً على استقرار بيته، هي طبيعة تركيبته الأسرية؛ فالراحل كان متزوجاً من سيدة تُدعى “ناتاشا”، وهي من أم ألمانية وأب مصري.
المفاجأة الإنسانية، أن مرزبان لم يكن مجرد زوج، بل كان ابناً باراً لعائلة زوجته؛ حيث كانت تعيش معه في نفس المنزل “حماته” السيدة الألمانية التي جاءت إلى مصر منذ صباها،
وكان يرعاها بنفسه وبمنتهى الحب والتقدير، معتبراً أن استقرار البيت ورضا زوجته وبناته (شهد وياسمين) هما خط الدفاع الأول عنه ضد تقلبات الوسط الفني.
عقدة الخوف على بناته من “أدوار الشر”
رغم كاريزمته التي كانت تؤهله لتقديم أدوار الشر المركبة وببراعة، إلا أن مرزبان كان يضع “خطاً أحمر” شديد الحساسية في خياراته الفنية؛
كان يرفض تماماً تقديم أدوار الشر الفج أو الشخصيات السادية، وكان مبرره الإنساني والنفسي وراء ذلك هو خوفه الشديد على مشاعر بناته؛
حيث كان يقول دائماً في جلساته: “أرفض أن يشار لبناتي في الشارع ويُقال لهن: والدكن شرير أو سيئ بسبب دور صدقه الناس”.كان يبحث عن “الستر الفني” من أجل عائلته.
توريث الجينات الخوف.. عندما اشترى “سكوتر” لابنته وعارض “البايك الكبير
مفارقة أخرى تتقاطع مع الحادث؛ فبالرغم من أن مرزبان كان يعشق الدراجات النارية الكبيرة (الريس) وعاش معها مغامرات طويلة،
إلا أنه عندما كبرت ابنته الصغرى وطلبت منه دخول هذا العالم، شعر بنفس الرعب الذي كان يشعر به أهله تجاهه.
رفض تماماً أن تمتلك ابنته دراجة نارية كبيرة خوفاً عليها من غدر الطريق، واكتفى بشراء “سكوتر” صغير وبسيط لها لمجرد التنزه القريب، وكأنه كان يشعر بداخله أن غول هذا الطريق الصحراوي سينتزع منه حياته يوماً ما.
كواليس المكالمة “الخدعة” لـ ناصر 56 وموقف عادل إمام النفيس
أما عن خفايا البدايات، فدخول مرزبان لفيلم “ناصر 56” جاء بمكالمة هاتفية ظنها “مقلباً”.
عندما اتصل به المخرج الكبير محمد فاضل ليطلبه لدور “حسين الشافعي”، رد عليه مرزبان بذهول وضيق ظناً منه أن أحد أصدقائه يمازحه،
وظل لـ 10 دقائق يسأل: “فاضل مين؟”، حتى استوعب المفاجأة التي نقلته ليقف أمام أحمد زكي في مشهد تاميم القناة الشهير
ومن المواقف النادرة التي كان يفتخر بها، هو لقاء عابر في أحد العزاءات مع الزعيم عادل إمام.
مرزبان كان يحب الانعزال والذهاب مبكراً للعزاءات لتأدية الواجب والهروب من الزحام.
وفي أحد الأيام، كان الزعيم نازلاً من درج العزاء، ورغم أن مرزبان كان في بداياته،
إلا أن عادل إمام استوقفه وناداه باسمه قائلاً: “إزيك يا مرزبان”. هذا الموقف والمكالمة كانا بمثابة صك اعتراف بموهبته من قامات الفن،
في الوقت الذي خذلته فيه شركات الإنتاج وحصرته في أدوار قصيرة
الوصية الأخيرة على منصة «شاهد
شاءت الأقدار أن يرحل مرزبان وصورته لا تزال تنبض بالحياة على الشاشات، حيث يُعرض له حالياً مسلسل “ورد على فل وياسمين” عبر منصة (MBC شاهد) بصحبة صبا مبارك وميمي جمال، بجانب مشاركته الرمضانية الأخيرة في مسلسل “أب ولكن
رحل محمد مرزبان، وترك خلفه درساً قاسياً في أن الأقدار تختبئ أحياناً في أكثر الأشياء التي نحبها،
وأن السينما التي تمنح البريق والخلود لأصحاب الأدوار الأولى، قد تغفل عن منح الراحة والإنصاف لمن يقفون في الصفوف الخلفية،
لكن الجمهور الواعي يظل دائماً يذكر ملامح هؤلاء النبلاء.. حتى وإن غادروا بجنازة بيضاء وسط صدمة الجميع.



