غاب أمير القلوب وترك لنا صدى المواجع
طقوس فى حياة هانى شاكر لم تنشر بعد..
كتبت / سمر الحلو
“بين ‘يا ريتني’ و’نسيانك صعب أكيد’، انطوت اليوم الصفحة الأخيرة في حياة أمير الغناء العربي هاني شاكر. رحل تاركاً خلفه إرثاً من الشجن، ورحلة مرض طويلة بدأت من القلب وانتهت بوداع هز القلوب”
رحلة الألم والوداع
“عانى الراحل في أيامه الأخيرة من مضاعفات صحية أرهقت جسده، لكنه ظل صامداً أمام جمهوره حتى اللحظات الأخيرة، وكأنه كان يودعنا بصمت في كل ظهور له
جرح “ست الحبايب” وأسرار لم تنشر
“عاش هاني شاكر أسراراً لم يعرفها الكثيرون؛ فمن ذوقه الهندسي الرفيع وعشقه للديكور، إلى كرهه لسماع أغنية ‘ست الحبايب’ التي كانت تذكره دائماً بوفاة والدته في نفس اليوم. كما دفع ضريبة غالية من صحته وأعصابه فوق مقعد نقابة الموسيقيين، الذي وصفه المقربون بأنه المنصب الذي استنزف طاقته.”
لقب “أمير الأحزان” وشائعة البخل
“واجه شائعات كثيرة، منها ‘البخل’ التي نفاها المقربون مؤكدين على كرمه وحرصه على عائلته، وتحمل لقب ‘أمير الأحزان’ بصبر، معتبراً أن الحزن هو أصدق تعبير عن النفس البشرية، خاصة بعد فقدانه لابنته ‘دينا’ التي كسر رحيلها ظهره.
-
طقس “الغرفة المظلمة” قبل الصعود للمسرح
بعيداً عن صخب الكواليس، كان هاني شاكر لديه طقس غريب؛ يطلب إطفاء الأنوار تماماً في غرفته لمدة 10 دقائق قبل الصعود للمسرح. لا يتحدث مع أحد، لا يراجع كلمات، فقط يجلس في سكون تام. كان يقول للمقربين إنه في هذه الدقائق “يستحضر أرواح من يحبهم” ويطلب منهم المدد، وكأن المسرح بالنسبة له هو المكان الذي يلتقي فيه بوالدته وابنته دينا روحياً.
سر “المنديل المعطر” برائحة معينة
في جيبه دائماً منديل قماش (وليس ورقياً) مرشوش عليه عطر قديم جداً كان يخص والدته. قبل أن يغني أي كوبليه فيه “شجن” أو “فراق”، كان يمرر المنديل على وجهه بسرعة. هذه الرائحة كانت هي “المفتاح” الذي يفتح بوابة الصدق في صوته، وكأنه يستمد قوته من رائحة حضنها.
حكاية “الكرسي الخالي” في بروفات المنزل
في منزله، وأثناء تحضير أي لحن جديد، كان يرفض تماماً أن يجلس أحد على كرسي معين في غرفة الموسيقى. هذا الكرسي كان يعتبره “مكان دينا”، وكان يغني اللحن وكأنه يعرضه عليها أولاً. إذا شعر براحة نفسية يكمل اللحن، وإذا تعثر كان يقول: “اللحن ده لسه محتاج شغل، دينا لسه ما ابتسمتش”.
“فوبيا الأماكن المغلقة” وعلاقتها بوالده
بسبب مشهد والده وهو يعاني من الربو، تولدت لدى هاني فوبيا من “المصاعد” والأماكن الضيقة جداً. كان يفضل صعود السلالم مهما كان عدد الأدوار، وكان يرى في ضيق التنفس “عدوه الأول”. لهذا السبب، كان يحرص في عقود حفلاته على شروط صارمة تتعلق بتهوية المسرح ونوع البخور المستخدم، ليس تعالياً، بل خوفاً من تكرار مشهد عجز والده عن التنفس أمام عينيه.
سر الرقم “21” في حياته
كان يتفاءل جداً برقم 21، ليس فقط لأنه تاريخ عيد الأم الذي توفيت فيه والدته، بل لأنه كان يرى في هذا الرقم “دائرة الحياة”. كان يقول إن أعظم نجاحاته وأقسى انكساراته حدثت في هذا اليوم، فصار يتعامل مع القدر بمنطق: “أنا جاهز لكل شيء في هذا اليوم”.
حبه لجمع “السبح” النادرة
يمتلك هاني شاكر واحدة من أكبر مجموعات السبح النادرة، وكان يخصص سبحة معينة لكل حالة نفسية. سبحة من “اليسر” للأيام الصعبة، وسبحة من “الكهرمان” للأيام التي يفتقد فيها والدته. كان يرى في “التسبيح” وسيلة وحيدة للسيطرة على نوبات القلق التي كانت تصيبه بسبب أزمات النقابة.
“خلف الكواليس، لم يكن هاني شاكر فناناً عادياً.. كان رجلاً يسكنه الحنين في أدق تفاصيل حياته. كان يجلس في ظلام غرفته قبل الحفلات لدقائق، يستحضر أرواح من رحلوا، ويستنشق عطر والدته في منديل مخبأ بجيبه ليتمكن من الغناء بصدق. حتى في منزله، كان يترك كرسياً خالياً لابنته دينا، ليسمع رأيها في ألحانه قبل أن يسمعها العالم.”
“رحل هاني شاكر بجسده، لكنه لم يغادرنا تماماً.. فقد استودع روحه في نبرات صوته، وترك لنا في كل لحنٍ قطعة من قلبه. ستظل أغانيه هي الأنيس في وحدتنا، والصدى الذي يردد أوجاعنا وأفراحنا، وكأن صوته باقٍ ليخبرنا أن المبدعين لا يرحلون، بل يعيدون صياغة حضورهم في قلوبنا إلى الأبد.



