هل تنجح “الهوهوة” في علاج توتر الطلاب فى بريطانيا؟
حقيقة تدريس لغة الكلاب في المدارس البريطانية
القاهرة/سمر الحلو
اكتشف كيف ساهم هذا الابتكار في تقليل التوتر ورفع التركيز الدراسي.
في الوقت الذي تتنافس فيه المنظومات التعليمية حول العالم لإدخال أحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي والألواح الذكية إلى الفصول الدراسية،
قررت بعض المؤسسات التعليمية في المملكة المتحدة العودة إلى الطبيعة، ولكن بأسلوب غريب يقع تماماً “خارج الصندوق”.
لم يعد الاهتمام داخل الفصول مقتصراً على تعلم الإنجليزية أو الرياضيات، بل دخلت لغة جديدة ومثيرة إلى المنهج الرسمي: إنها لغة الكلاب.
هذه المبادرة الفريدة التي بدأت تطبقها عدة مدارس بريطانية ليست مجرد وسيلة لتسلية الأطفال،
بل هي استراتيجية علمية ومدروسة بعناية تهدف إلى إعادة صياغة مفهوم الصحة النفسية للطلاب، والسيطرة على معدلات القلق والتوتر التي تزايدت بشكل ملحوظ في البيئات المدرسية الحديثة.
كواليس المنهج الجديد: كيف يتعلم الطالب “لغة الكلاب”؟
المشروع لا يطلب من الأطفال محاكاة الأصوات، بل يعتمد بالأساس على علم سلوك الحيوان يتم استقدام كلاب مدربة خصيصاً من فصائل معروفة بهدوئها مثل “الليكوليدر” و”الذهبي المسترد” لتصبح جزءاً من النسيج اليومي للمدرسة.
يتضمن المنهج حصصاً تفاعلية يتعلم فيها الطلاب كيفية قراءة “لغة الجسد” للكلب، والتي تشمل
حركات الذيل: التفريق بين الهز السريع الذي يدل على التوتر، والهز الدائري الواسع الذي يعبر عن الفرح والأمان.
اتصال الأعين وآذان الكلاب: فهم متى يكون الكلب مسترخياً ومستعداً للعب، ومتى يشعر بالخوف أو الرغبة في الانعزال بناءً على حركة أذنيه وتوجيه نظراته.
نبرات الصوت (النباح والهمهمة): تحليل الأصوات المختلفة التي يصدرها الحيوان لمعرفة احتياجاته وتجنب إزعاجه.
من خلال هذه الدروس، يتعلم الأطفال مفهوماً إنسانياً عميقاً وهو “التعاطف غير المشروط”،
حيث يتدربون على وضع أنفسهم مكان كائن آخر لا يتحدث لغتهم، ومحاولة فهم مشاعره واحتياجاته وتلبية تلك الاحتياجات بهدوء وحكمة.
التأثير العلمي: كيف تقضي “الهوهوة” على التوتر الدراسي؟
قد يتبادر إلى الذهن أن وجود حيوان في الصف قد يشتت انتباه الطلاب ويسبب الفوضى،
لكن لغة الأرقام والدراسات الميدانية التي أجريت في المدارس البريطانية أثبتت العكس تماماً.
رصدت التقارير التعليمية انخفاضاً حاداً في معدلات القلق والتوتر بين الطلاب بنسبة وصلت إلى 40% في المدارس التي تبنت هذا البرنامج.
تفسر الأبحاث الطبية والنفسية هذا النجاح الباهر عبر عدة نقاط:
تخفيض هرمون الكورتيزول
أثبتت الفحوصات أن مجرد ملامسة فرو الكلب أو الجلوس بجانبه لمدة 10 دقائق يقلل من إفراز هرمونات الإجهاد والتوتر في جسم الطفل بشكل فوري.
تحفيز هرمونات السعادة:
التفاعل الإيجابي مع الحيوان يحفز إفراز الأوكسيتوسين والدوبامين، وهي النواقل العصبية المسؤولة عن شعور الإنسان بالأمان، والراحة، والاستقرار النفسي.
بيئة خالية من الأحكام: أكثر ما يوتر الطلاب في المدارس هو الخوف من الفشل أو التعرض للسخرية من قِبل الزملاء أو المعلمين عند الخطأ.
الكلب لا يصدر أحكاماً؛ إنه يستمع للطفل وهو يقرأ ببطء أو يتعثر في الكلمات بنفس الحب والاهتمام،
مما يمنح الأطفال، خاصة الذين يعانون من صعوبات التعلم أو التوحد، ثقة مطلقة في أنفسهم.
الكلاب كـ “مصلحين اجتماعيين” داخل فناء المدرسة لم يقتصر دور هذه الكائنات الذكية على الفصول الدراسية فقط،
بل امتد تأثيرها إلى فناء المدرسة وخلال فترات الاستراحة، حيث تقع عادةً مشكلات التنمر أو الشجارات بين الطلاب.
أصبح الكلب بمثابة “دبلوماسي” أو مصلح اجتماعي هادئ. عندما يشعر الكلب بوجود مشاحنة أو ارتفاع في نبرة أصوات الأطفال،
يتحرك بتوجيه من مدربه نحو المجموعة ويهبط برأسه على الأرض، وهو سلوك غريزي يمتص التوتر المحيط.
تلقائياً، يتوقف الأطفال عن الصراخ ويبدأون في الالتفاف حول الكلب ومداعبته، مما يحول طاقة الغضب والعدوانية إلى طاقة حنان واهتمام في ثوانٍ معدودة.
بالإضافة إلى ذلك، ساعد هذا البرنامج في تعليم الأطفال كيفية التعامل مع مخاوفهم الخاصة.
فالأطفال الذين كانوا يعانون من فوبيا الكلاب، استطاعوا من خلال فهم لغتها وسلوكها تجاوز هذه الفوبيا والتحول إلى أصدقاء مدافعين عن الحيوان
أبعاد اقتصادية واجتماعية : هل تعمم التجربة عالمياً؟
نجاح تجربة العلاج بالحيوانات الأليفة داخل المدارس البريطانية فتح الباب على مصراعيه أمام نقاشات تربوية واقتصادية موسعة.
يرى خبراء التعليم أن التكلفة المالية لتدريب ورعاية هذه الكلاب تعد ضئيلة جداً مقارنة بالمبالغ الضخمة التي تنفقها المدارس على برامج الدعم النفسي والأدوية المضادة للقلق لل مراهقين والأطفال.
الشركات الناشئة المتخصصة في تدريب حيوانات الدعم النفسي بدأت تتلقى طلبات متزايدة ليس فقط من بريطانيا،
بل من دول أوروبية أخرى مثل السويد وهولندا، لتصميم برامج مشابهة تتوافق مع الإيقاع الدراسي لكل دولة.
درس في الإنسانية من عالم الحيوان
يوضح لنا تقرير “لغة الكلاب” أن التعليم الحقيقي ليس مجرد حشو لعقول الطلاب بالمعلومات الجافة،
بل هو بناء لشخصياتهم وقدراتهم النفسية والاجتماعية. إن تواصل الأطفال مع كائنات لا تتكلم لغتهم يعلمهم أعظم دروس الحياة
وهو أن التواصل الإنساني لا يحتاج دائماً إلى كلمات صاخبة، بل يحتاج أحياناً إلى عينين تفهمان، وقلب يتسع للآخر، وهدوء يمتص العاصفة
النوم واقفاً في اليابان، أو الغابات التي تغرد في ألمانيا، أو الكلاب التي تضبط الصفوف في بريطانيا؛
كلها شواهد على أن المستقبل ينتمي لأولئك الذين يجرؤون على التفكير والتنفيذ خارج الأطر التقليدية السائدة.



