المأزق الإيراني الأمريكي وخيارات التفاوض!

بقلم / حامد ذهني

 

بين عناد العقوبات ومائدة التفاوض:

قراءة في المأزق الإيراني الأمريكي

​​بات من الواضح للعيان، وبما لا يدع مجالاً للشك، أن طهران تستعد بكامل طاقتها لمواجهة موجات جديدة من العقوبات الأحادية، مؤكدة عبر رسائلها المباشرة وغير المباشرة أنها لن ترفع راية الاستسلام بسهولة، ولن ترضخ لسياسات الضغط الأقصى التي أثبتت التجارب التاريخية محدودية أثرها في تغيير القناعات الاستراتيجية وحسابات القوة في المنطقة.

​واشنطن ومسؤولية بناء جسور الثقة

​أمام هذه الصلابة، تجد الإدارة الأمريكية في واشنطن نفسها مطالبة ببذل جهد استثنائي لاحتواء مسارات التصعيد الخطيرة، عبر مد الجسور المباشرة نحو المعتدلين وتيارات السلام ورافضي خيار المواجهة المسلحة داخل المشهد الإيراني.

إن جذب هذه القوى الحية لن يتأتى بالاكتفاء بالشعارات السياسية الرنانة، بل يحتاج إلى خطوات عملية وملموسة تساهم في إعادة بناء الثقة المفقودة؛ وفي مقدمة هذه الخطوات تحرير الأموال والمليارات الإيرانية المحتجزة في الخارج، والبدء الفعلي في تفكيك طوق الحصار الاقتصادي الخانق.

هذه البنود لم تكن يوماً مجرد مطالب تعجيزية، بل شكلت جوهر مذكرات التفاهم والاتفاقات السابقة، والتي يبدو أن الواقعية السياسية الراهنة ستدفع كافة الأطراف نحو إعادة فتح أوراقها مجدداً كمرجعية حتمية لتسوية الملفات والخلافات العالقة.

​شجاعة طهران المطلوبة لطمأنة العالم

​في المقابل، لا يمكن بحال من الأحوال إعفاء صانع القرار في طهران من مسؤولياته السياسية والتاريخية؛ إذ يقع على عاتقه إرسال رسائل تطمين واضحة وحاسمة للعالم الخارجي، وتجنب تبني سياسات صدامية تضع البلاد في موقع المعادي للمنظومة الدولية واستقرار الإقليم.

إن تفكيك جدار العزلة المشيد يتطلب شجاعة سياسية توازي تماماً شجاعة القتال، وتبدأ بإظهار الرغبة الجادة في الانخراط المسؤول والبنّاء ضمن النظامين الإقليمي والدولي.

​المسار الدبلوماسي بديل حتمي للحرب

​إن الجلوس إلى مائدة الحوار والتفاوض اليوم لم يعد ترفاً دبلوماسياً، بل يمثل السبيل الحقيقي الوحيد لانتزاع مكاسب تاريخية متبادلة يعجز العناد العسكري وأدوات القوة الغاشمة عن تحقيقها.

لا أحد ينكر على الإطلاق أن خيار الحرب كارثي ومدمر بكل المقاييس، لكن المفاوضات بدورها تمثل مساراً بالغ الصعوبة والتعقيد؛ غير أن الفارق الجوهري يكمن دائماً في أن ما يُنتزع عبر الدبلوماسية يظل نصراً حقيقياً ومستداماً يحقن دماء الأبرياء ويحفظ مستقبل الأوطان من المجهول.

​استقرار الشعب الإيراني ورهان القيادة

​يبقى الرهان الأكبر في هذه المعادلة معلقاً على ضمير القيادة الإيرانية بكافة أطيافها، سواء من المحافظين أو الإصلاحيين، للنظر بإنصاف وواقعية إلى حال الشعب الإيراني الذي يرزح تحت وطأة أزمات معيشية واقتصادية متفاقمة.

هذا الشعب العريق لم يسعَ قط إلى خوض حروب مفتوحة أو استنزاف طويل منذ انتهاء الحرب الإيرانية العراقية عام 1980، ومن أبسط حقوقه الإنسانية والوطنية اليوم أن يرى موارده وثرواته تُستثمر في البناء والتنمية والاستقرار الشامل، بعيداً عن أهوال صراع إقليمي ودولي يدفع ثمنه الباهظ المواطن البسيط وحده

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى