مهازل مراكز اللغات الوهمية في مصر!
بقلم/ سمر الحلو
بيزنس “كورسات اللغات” في مصر..
كيف تبتلع مراكز مثل “هارفست” أموال الشباب تحت عباءة “كامبريدج”؟
لم تعد تجارة بيع الوهم في سوق التعليم والتدريب مجرد تجاوز فردي أو دعاية تجارية مبالغ فيها، بل تحولت إلى ظاهرة ممنهجة تبتلع مدخرات وطموحات آلاف الشباب والطلاب في مصر. تحت لافتات براقة وحملات إعلانية ممولة بملايين الجنيهات على منصات التواصل الاجتماعي، تخرج علينا مراكز لغات خاصة تدّعي تقديم “كورسات لغات بشهادات معتمدة دولياً من جامعة كامبريدج البريطانية” أو تمنح أوراقاً تحمل أختاماً وتوقيعات أجنبية من بريطانيا وألمانيا وغيرها، موهمة المتلقي بأنه يضع قدمه داخل صرح تعليمي عالمي معترف به.
وفي صدارة هذا المشهد يبرز مركز “هارفست” (Harvest) ومعه عشرات الكيانات المشابهة التي تتخذ من بريق الأسماء الدولية ستاراً لممارسة تجارة رابحة عمادها التضليل وغياب المحاسبة. الواقع داخل هذه الأروقة يكشف منذ اللحظة الأولى صدمة مريرة؛ فلا دكاترة متخصصون ولا أساتذة يمتلكون الحد الأدنى من طرائق التدريس المعتمدة، بل كوادر تفتقر إلى الكفاءة، يرافقها غياب تام لأي عقود رسمية ملزمة أو مستندات تعاقدية تحفظ حقوق الطالب وتثبت أحقيته في استرداد ماله حال الإخلال بالخدمة.
تبدأ القصة دائماً بوعود وردية ومعاملة ناعمة لاستقطاب الرسوم مقدماً، لتبدأ بعدها دوامة المماطلة والتسويف في مواعيد انطلاق الكورسات لأسابيع وربما شهور طويلة، وإهدار وقت المتدرب ومستقبله دون أدنى مبالاة. وحين يقرر الطالب التراجع وطلب استرداد حقه المالي بعدما لمس التردي وعدم الالتزام، يسقط القناع تماماً؛ إذ تتحول الوعود المعسولة إلى لغة ترهيب وبلطجة صريحة من قبل ممثلي تلك المراكز ومحاميها، الذين يجاهرون بكل بجاحة: “لن تسترد جنيهاً واحداً مهما اشتكيت، ونحن لا نعيد أي مبالغ حتى لو لم يعجبك المكان أو الخدمة”.
وعندما يسلك المتضرر المسار القانوني ظناً منه أن ساحة العدالة كفيلة بإعادة حقه، يصطدم برحلة استنزاف شاقة ومريرة في النيابات وأقسام الشرطة والمحاكم؛ تحرير محاضر إثبات حالة، وانتظار تحريات المباحث، وتحديد جلسات بالمحاكم تفاجأ بسقوطها أو رفعها من “رول” الجلسات مرتين متتاليتين دون سبب واضح، فيضطر للتردد على مكاتب رؤساء النيابة والمحامي العام لإنقاذ الموقف وإعادة تحديد جلسة، لتنتهي المعركة في النهاية بخسارة الجلسة وخسارة الحق المدني في استرداد الأموال المدفوعة، مستغلين ثغرات غياب العقود وبراعتهم في الإفلات من طائلة القانون، ليخرج الضحية خالي الوفاض بعد سرقة ماله وإهدار كرامته ووقته.
إن القضية هنا تتجاوز مجرد مركز غير كفء، بل تمس سرقة علنية لعلامات تجارية وأسماء صروح دولية وتدليس صريح بالادعاء بمنح شهادات بريطانية أو ألمانية، وهي شهادات مرموقة لا تُباع ولا تُشترى ككرتونة شرفية في شقق ومقرات تجارية، بل تتطلب مبالغ مالية ضخمة واختبارات خاضعة لمعايير دولية صارمة. الجميع يعلم يقيناً أنه لا يوجد مكان في مصر يملك الصفة أو الحق في إجراء اختبارات ومنح شهادات جامعة كامبريدج البريطانية للغات سوى المركز الثقافي البريطاني (British Council)، أو الجامعات الدولية الكبرى المعترف بها رسمياً كالجامعة الأمريكية.
وهنا يفرض السؤال الأهم نفسه: أين هو المركز الثقافي البريطاني من هذه المهازل؟ وأين سفارة المملكة المتحدة، وجامعة كامبريدج نفسها، والمؤسسات الأكاديمية البريطانية والدولية من كيانات تسرق أسماءها وتنتهك ملكيتها الفكرية وتستخدم شعاراتها للنصب على المواطنين داخل مصر؟ كيف تصمت هذه المؤسسات الدولية وتترك أسماءها تُستغل كأداة احتيال دون ملاحقة قانونية دولية ودعاوى تعويض ضد كل من تسول له نفسه سرقة تاريخ أكاديمي عالمي؟
والسؤال الأكثر مرارة نوجهه إلى الداخل: أين الجهات المسؤولة في مصر؟ أين وزارة التعليم العالي والبحث العلمي؟ أين وزارة التربية والتعليم، وجهاز حماية المستهلك، والجهات الرقابية المسؤولة عن ترخيص وإدارة مراكز اللغات والتدريب في مصر؟ كيف تُمنح هذه المراكز تصاريح وتراخيص لمزاولة النشاط دون بحث أو تحرٍّ أو تحقق صارم من طبيعة ما تدّعيه وتقدمه للجمهور؟ هل باتت التراخيص تصدر هكذا عشوائياً دون فحص للشهادات الأجنبية التي يُزعم منحها والتأكد من وجود بروتوكولات تعاون دولية رسمية موثقة ومعتمدة من وزارتي الخارجية والتعليم العالي؟ من يحمي أبناء مصر وشبابها من عصابات بيزنس الكورسات واللغات التي تحتمي خلف جدار التراخيص الصورية لتنهب الجيوب وتدمر الطموحات؟
لذا أناشد جميع الجهات المسؤولة والمعنية في مصر، وعلى رأسها وزارة التعليم العالي والأجهزة الرقابية والقضائية، بسرعة التحرك العاجل لوقف هذا النزيف، وإغلاق الأوكار التي تتاجر بأحلام الشباب وتدّعي زيفاً منح شهادات بريطانية أو ألمانية أو أجنبية، وتشديد العقوبات على انتحال الصفات الأكاديمية والتزوير التجاري، حتى لا يظل التعليم والتدريب في بلادنا مرتعاً لكل من أراد الاتجار بأحلام البسطاء والهروب بأموالهم دون عقاب.



