هوية الأبطال تشعل “الأوديسة” غضباً!
نولان يكسر التابوهات في "الأوديسة"!
كتبت / سمر الحلو
“الأوديسة” تحت مجهر نولان.. هل تحول الإبداع إلى ساحة اشتباك ثقافي؟
لم يعد فيلم “الأوديسة” للمخرج كريستوفر نولان مجرد مشروع سينمائي ضخم ينتظره عشاق الفن السابع حول العالم،
بل تحول الفيلم قبل عرضه المرتقب في منتصف يوليو القادم إلى رمزٍ لصدامٍ حضاري وفكري يتجاوز حدود شاشات العرض.
نولان، الذي اعتاد أن يأخذنا في رحلاتٍ ذهنية معقدة، يقتحم هذه المرة حصون الميثولوجيا اليونانية،
ليجد نفسه محاصراً في عاصفةٍ من الانتقادات التي تُحاكم رؤيته الفنية قبل أن تكتمل الصورة النهائية للعمل.
أزمة التمثيل: هل هو إبداعٌ أم خضوع؟
إن الصخب الذي يحيط بالفيلم لا ينبع من تقنيات التصوير أو عبقرية نولان في الإخراج، بل ينصبّ بالكامل على “قرارات الكاستينج”.
لقد استشعر قطاعٌ واسع من الجمهور أن الفيلم يحمل أجنداتٍ تتجاوز النص الأصلي للملحمة.
فإسناد أدوار محورية إلى الممثل العابر للجنس إليوت بيدج، ومغني الراب ترافيس سكوت،
أثار حفيظة المحافظين الذين يرون في هذه الاختيارات “تسييساً” صارخاً لنصٍ أسطوري يمتلك هويته المستقلة.
لكنّ ذروة الجدل كانت مع اختيار الممثلة السوداء لوبيتا نيونغو لتجسيد دور هيلين طروادة؛
تلك الملكة التي حُفرت في الذاكرة البشرية بصورة “بيضاء الذراعين” كما وصفها هوميروس.
لقد تحول هذا الاختيار إلى كرة ثلج، حيث قاد المدوّن مات والش هجوماً لاذعاً،
مؤكداً أن نولان انحنى أمام ضغوط “الصوابية السياسية” خوفاً من تهمة العنصرية،
وهو الرأي الذي وجد صدىً قوياً لدى شخصيات مؤثرة كرجل الأعمال إيلون ماسك، مما حول الفيلم من منتجٍ ترفيهي إلى مادة للمناكفات السياسية.
صوت الأكاديمية: سخافة أم رؤية؟
في المقابل، يقف البروفيسور دانيال مندلسون، مترجم الأوديسة، كحائط صدٍ أمام هذه الهجمة.
يرى مندلسون أن كل هذه الضجة لا تعدو كونها “سخافة محضة”، معتبراً أن حجم دور هيلين في الملحمة لا يستحق كل هذا الالتفات الشعبي المحموم.
ومن منظوره الأكاديمي، فإن نولان ليس مُطالباً بنسخ التاريخ، بل بتقديم “تصوره الجمالي” الخاص.
وتأتي الممثلة لوبيتا نيونغو لتردّ على هذه الضجة من صفحات مجلة “إيل” الفرنسية، مؤكدةً بكل ثقة أنهم لا يحاولون توثيق التاريخ،
بل يصورون “عالمنا المعاصر” بأسقاطاته وتحولاته، وهو ما يضع الفيلم في منطقة “الخيال الموازي” لا “التوثيق الأسطوري.
السينما كمرآة للمجتمع إن قصة “الأوديسة” اليوم تثبت أن السينما لا تزال تمتلك القدرة على تحريك المياه الراكدة.
نحن لسنا أمام مجرد فيلم جديد، بل أمام “اختبار” لقدرة المجتمع على تقبل التجديد.
هل نولان مُخطئ لأنه أراد كسر القالب التقليدي؟ أم أن “حراس التراث” يبالغون في تقديس القديم لدرجة تمنع أي إبداعٍ جديد؟
الإجابة لن تكون في قاعات السينما فحسب، بل في طبيعة التغير الثقافي الذي نعيشه.
“الأوديسة” هو “نبوءة” نولان عن عالمٍ يتغير، عالمٌ يبحث عن هويته وسط أنقاض الأساطير القديمة،
ويبقى السؤال الأهم الذي سيظل يتردد بعد العرض: هل سيتذكر الجمهور عبقرية نولان في السرد، أم سيتذكرون فقط “ثورة الممثلين” التي غيرت وجه الملحمة؟



