ميزان العدالة:بين قصور البشر وكمال الخالق!
العدالة بين محاكم الأرض وميزان السماء!
حين يمرض الميزان: عن وطن نحبه وعدالة لا نجدها إلا في السماء
بقلم: سمر الحلو
العدالة الحقيقية في السماء وليست بين البشر، هي الحقيقة التي يدركها المظلوم حينما تغلق في وجهه أبواب العدل الدنيوي. حين جلس عمر بن الخطاب رضي الله عنه يستمع لشكوى قبطيٍّ جاءه من أقصى مصر يشكو ابن واليها عمرو بن العاص، لم ينظر لنسبٍ ولا لسلطان، بل قال كلمته التي حفرها التاريخ في ضمير الإنسانية: “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟”. كان ذلك المشهد يجسد يقيناً بأن العدل ليس ترفاً، بل هو الروح التي تحيي الأوطان، والحصن الذي يأوي إليه المظلوم حين تضيق به الأرض بما رحبت.
خيبة الأمل في أروقة المحاكم
خرجتُ من قاعة المحكمة بخطى ثقيلة، وأوراق قضيتي تحت ذراعي، أحمل خيبة لا تداويها الكلمات. كانت كل الأدلة ناصعة البياض، والشواهد تصرخ بالحق، والمستندات لا تحتمل التأويل، وقبلها طرقتُ أبواب النيابة باحثة عن إنصافٍ بديهي، لكن الحكم جاء صادماً كالصفعة، مجتثاً كل أمل في نصرة قريبة. تساءلتُ بمرارة: أي وعكة صحية أصابت ميزان القضاء حتى بات يرى الحق باطلاً والوضوح غموضاً؟ كيف تضيع حقوق واضحة وضوح الشمس بين أروقةٍ يُفترض أنها ملاذ الخائفين؟
مصر والعدالة الضائعة
رفعتُ رأسي محاولةً التقاط أنفاسي في شوارع المدينة المزدحمة، فوقعت عيني فجأة على لافتة ضخمة كُتبت بحروف بارزة: “تحيا مصر”. وقفتُ أتأملها طويلاً؛ فالوطن كأرض وتاريخ ونيلٍ بريء من عثراتنا، مصر بخير وطيبة، لكن العلة في نفوسٍ سكنتها وغاب عنها الضمير، في بشرٍ أداروا ظهورهم للحق وتركوا المظلوم يتجرع قهره وحده. ليست الأوطان هي التي تظلم، بل ضمائر البشر حين تصدأ، وموازينهم حين تميل مع الهوى أو الغفلة.
العدالة السماوية: الملاذ الأخير
أدركتُ في تلك اللحظة حقيقةً راسخة؛ إن العدل المطلق عملة نادرة لا وجود لها في محاكم الأرض، فالبشر خطاؤون، وأحكامهم قد تشوبها الأهواء، أما العدل الحقيقي الذي لا تشوبه شائبة، فهو محفوظٌ في سجلات السماء. عند قاضي القضاة الذي لا يغفل ولا ينام، هناك فقط لا تضيع حجة، ولا يسقط حقٌّ بالتقادم، وهناك تُرد المظالم لأهلها كاملة غير منقوصة. إن الحياة في جوهرها اختبار للصبر على الحق، واليقين بأن الحساب في النهاية سيكون في محكمة لا تعرف الظلم.
رحلة البحث عن الإنصاف
إن الإنسان في سعيه الدائم نحو العدالة قد يواجه الانكسار، لكنه يظل متمسكاً بالأمل في عدالة إلهية تعيد التوازن للكون. إن التمسك بالقيم الأخلاقية، والبحث عن الحق حتى في ظل أصعب الظروف، هو فعل مقاومة ضد الظلم. فلنستمر في طلب الحق، مؤمنين بأن كل مظلمة في الدنيا لها يوم في السماء يُغلق فيه ملفها، وتُؤخذ فيه حقوق أصحابها.



