هل هيئة المساحة فوق القانون؟
بقلم / سمر الحلو
مافيا”تعويضات نزلة السمان ودولة المكاتب المغلقة!
حين يجد المواطن نفسه محاصراً داخل حلقة مفرغة، يطرق فيها كل أبواب العدالة والقانون فتُغلق في وجهه بقرارات الحفظ والتجاهل، وحين تصبح أروقة جهة إدارية تنفيذية قلعة حصينة لا تطالها يد المساءلة، يسقط الصمت ويصبح الحديث بالصوت العالي واجباً وطنياً وأخلاقياً لا يقبل التراجع؛ فالساكت عن الحق شيطان أخرس، وما ضاع حق قط وراءه مطالب.
ما يجري داخل مديرية المساحة بالجيزة، التابعة للهيئة العامة للمساحة بوزارة الموارد المائية والري، لم يعد مجرد فساد إداري تقليدي، بل تحول إلى مأساة حقيقية يعيشها مئات المواطنين من أصحاب الحقوق في تعويضات إزالات “نزلة السمان” بالهرم.
تحولت تلك المكاتب إلى ما يشبه “دولة داخل الدولة”، تعمل بمعزل تام عن توجهات الحكومة وقوانين الجمهورية الجديدة، وكأن القائمين عليها يمتلكون حصانة مطلقة تجعلهم الآمر والناهي في مصائر الناس وحقوقهم الدستورية المشروعة.
المشهد بات مكرراً ومفضوحاً؛ مواطن شريف يحمل عقوده التاريخية ومستنداته الرسمية الدالة على ملكية أرضه أو عقاره الذي أزيل لصالح المشروعات القومية، يذهب لاستلام تعويضه المشروع، فيصطدم بطرف مجهول يقتحم الملف بأوراق مصطنعة وعقود مضروبة فُصلت على عجل بالتواطؤ مع بعض مسؤولي الصرف.
وبدلاً من أن تنتفض الجهة الإدارية لإحالة أوراق التزوير الصريح للنيابة العامة، تلعب دور المحقق والقاضي، وتجمد صرف التعويض تحت زعم وجود نزاع، لتبدأ رحلة الابتزاز الممنهج لإجبار المالك الشرعي على مقاسمة ماله مع من لا حق له.
والأدهى والأمرّ من ذلك، هو ما يواجهه المواطن حين يقرر سلوك المسار القانوني والرقابي؛ فقد سلكنا كافة السبل المشروعة دفاعاً عن حقوقنا، قدمنا البلاغات الرسمية تلو البلاغات، توجهنا إلى النائب العام، ولجأنا إلى القضاء، ودققنا أبواب هيئة الرقابة الإدارية، وخاطبنا النيابة الإدارية المختصة بوزارة الموارد المائية والري…
ولكن النتيجة المؤلمة والصادمة كانت دائماً: “لا حياة لمن تنادي”، قرارات حفظ تتوالى، وبلاغات تُرفض، وقضايا تُعطل، وكأن هناك جداراً فولاذياً خفياً يحمي تلك المنظومة ويمنع فتح دفاترها ومحاسبة المتورطين فيها!
أمام هذا الواقع المرير، والظلم البيّن الذي يلتهم تعويضات وأرزاق مئات الأسر، يصبح من حقنا أن نسأل بأعلى صوت وبكل شجاعة:
من يحمي مسؤولي هيئة المساحة؟ ومن يقف وراء هذا الإصرار على إهدار حقوق الملاك الحقيقيين والتستر على التلاعب والتزوير؟
بأي سند دستوري أو قانوني تُمنح حفنة من الموظفين سلطة مطلقة تجعلهم يتحكمون في مليارات التعويضات، يقررون بمزاجيتهم من يصرف ومن يُحرم، دون حسيب أو رقيب؟
كيف تعيش الحكومة في وادٍ ينادي بالنزاهة والشفافية وتثبيت دعائم دولة القانون، بينما تعمل مديرية المساحة في وادٍ آخر تحكمه الفوضى واستنزاف حقوق الناس؟
إلى السيد رئيس الجمهورية، والسيد رئيس مجلس الوزراء: نناشدكم التدخل المباشر والفوري لإسقاط تلك الحصانة غير المعلنة، وتشكيل لجان تفتيش قضائية ورقابية محايدة تفتح ملفات نزلة السمان بالدقي سطراً بسطر، لإنصاف المواطنين الذين نفد صبرهم أمام تعنت وفساد لا يرحم.
إننا لن نستسلم لقرارات الحفظ، ولن ننحني أمام التعطيل؛ سنظل نطارد هذا الفساد بكل السبل المشروعة وبقوة الكلمة والحق، حتى يعود كل مليم لأصحابه، وتثبت الدولة أن لا أحد في مصر – أياً كان موقعه – فوق طائلة القانون.



