برلمان”المعارك الناعمة”:100 حزب والشارع وحيد
أحزاب الصالونات : من يمثل الشارع؟
كتبت/سمر الحلو
100 حزب في “البرواز”.. كيف تحولت المعارك السياسية إلى “طلبات إحاطة ناعمة”؟
في الشارع المصري، لم يعد المواطن يتساءل “من يمثلني تحت القبة؟”
بل اصبح السؤال الأكثر مرارة: “هل هناك قبة تتسع لأحلامنا بالفعل؟”.
تبدو الخريطة السياسية اليوم مزدحمة بشكل مضلل؛ إذ يربو عدد الأحزاب السياسية المشهرة على مئة حزب، لافتاتها براقة في الميادين، وأسماؤها رنانة تمتد من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار.
لكن النتيجة على أرض الواقع تظل واحدة: ظاهرة صوتية، وغياب تام للمعارك السياسية الحقيقية التي كانت تشعل النبض في الشارع وتصنع التغيير.
من “الاستجواب الساخن” إلى “طلب الإحاطة الناعم:
تزخر الذاكرة السياسية المصرية بمعارك برلمانية تاريخية؛ استجوابات كانت تهز كراسي الوزراء، وكلمات تحت القبة كانت تسقط حكومات أو تجبرها على التراجع عن قرارات تمس جيب المواطن البسيط.
اليوم، تبخر هذا الزخم وتغيرت الأدوات الحزبية بشكل لافت. تحولت الاستجوابات الساخنة والمواجهات المباشرة إلى مجرد “طلبات إحاطة ناعمة” و”بيانات عاجلة” تُصاغ بعبارات منتقاة بعناية كي لا توقظ فتنًا أو تغضب مسؤولًا.
وبذلك، تحول النائب الحزبي من “مقاتل سياسي” يذود عن حقوق ناخبيه، إلى “مقدم التماسات” يبحث عن خدمات محلية محدودة كالعلاج على نفقة الدولة أو رصف طريق، متنازلًا عن دوره التشريعي والرقابي الأكبر.
سيكولوجية الشارع: فقدان الأمل في أداة التغيير
لم يكن هذا التراجع البرلماني مجرد تغيير في الأداء السياسي فحسب، بل شكّل ضربة قوية لسيكولوجية المواطن المصري. يواجه الشارع اليوم أعباءً معيشية واقتصادية غير مسبوقة
وكان يرى في الحزب السياسي والبرلمان “حائط الصد” أو “أداة التغيير” التي يمكنها على الأقل تخفيف هذه الأوطار أو نقل صوته الحقيقي بأمانة.
وعندما يرى المواطن هذا الكم الهائل من الأحزاب يقف موقف المتفرج، أو يكتفي ببيانات سطحية باهتة، يحدث “شرخ في الثقة”.
يفقد الشارع الأمل تمامًا في أن العمل الحزبي قادر على الإصلاح، ويتحول الحزب في نظر العامة من “منبر للتغيير” إلى “نادٍ اجتماعي” للنخبة لا علاقة له بأسعار السلع، أو فواتير الخدمات، أو هموم اليوم البسيطة.
أحزاب “الصالونات” وعزلة الشارع:
تكمن الأزمة الحقيقية في أن تلك الأحزاب المئة تحولت إلى “أحزاب صالونات مغلقة”. غابت الكوادر الحقيقية، واختفت الأفكار المبتكرة لتخفيف الأعباء عن كاهل الناس، وحلت محلها صراعات داخلية على المناصب والظهور الإعلامي.
غاب الحزب بوصفه مؤسسة قادرة على إدارة الأزمات وتقديم حلول بديلة للحكومة، فبقي الشارع وحيدًا في أعالي الأمواج الاقتصادية.
إن تحويل المنصات السياسية والرقابية إلى “أدوات ناعمة” لا يضعف الأحزاب وحدها، بل يفرغ الحياة السياسية من مضمونها، ويترك الشارع في حالة عزوف تام. فالأحزاب لم تُخلق لتزيين المشهد، بل لتصنع الفارق.. وحين تعجز عن ذلك، تصبح مجرد أرقام حبرية في دفاتر التأسيس.
سؤال :إذا كان لدينا 100 حزب سياسي وعجزوا جميعًا عن تخفيف عبء معيشي واحد.. فهل العيب في “القوانين” التي تكبلهم، أم في “الكوادر” التي آثرت السلامة وصالونات المكاتب المكيفة؟



